أحمد بن محمود السيواسي

311

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أَكْبَرُ ) منه ( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) [ 3 ] أي إلا وهو مسطور في اللوح ، وإذا ثبت بهذا الوصف أن شيئا من الخفيات لا يفوت من علمه اندرج تحته علمه بوقت قيام الساعة الذي هو من مشاهير الغيوب ، وأدخلها في الخفية وأسرعها إلى القلب إذا قيل إنه عالم الغيب فصح ثبوت ما أنكروه بأبلغ وجه وآكده ، ثم لم يقتصر على ذلك ، بل عقبه بذكر تعليل إثباتها قطعا ، لأن اللّه تعالى وضع في العقول وجوب الجزاء للمحسن والمسئ لما سنذكره ، فاللام في ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) يتعلق بقوله « لَتَأْتِيَنَّكُمْ » ، أي ليثيب المؤمنين الصالحين ( أُولئِكَ ) أي المؤمنون ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [ 4 ] أي الجنة ، وهذا التعليل عقلي ، لأن العقل يقتضي جزاء كل عامل على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وإلا لزم أن يكون اللّه ظالما ، تعالى عنه علوا كبيرا . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 5 ] وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 5 ) ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا ) أي في القرآن ( مُعاجِزِينَ ) أي معاندين ، وقرئ « معجزين » بالتشديد « 1 » ، أي مثبطين عن الإيمان بها وإرادته ( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ ) أي سوء العذاب ( أَلِيمٌ ) [ 5 ] بالجر ، أي مؤلم ، وقرئ برفعه « 2 » نعتا لل « عَذابٌ » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 6 ] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 6 ) قوله ( وَيَرَى ) عطف على « لِيَجْزِيَ » ، أي ليعلم ( الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) وهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا ككعب الأحبار وعبد اللّه بن سلام ، قوله ( الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ) بالنصب فيهما مفعولان ل « يَرَى » وهو فصل بينهما ، والمعنى : أن اتيان الساعة ليعلم أولوا العلم عنده أنه الحق عالما لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المكذبين ، وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه الحق فيزدادوا حسرة وغما ( وَيَهْدِي ) عطف على « الْحَقَّ » فيكون في تقدير المفعول ، أي يرون المنزل إليك حقا وهاديا ( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ 6 ] أي الرب المنتقم المحمود في فعاله . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 7 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وهم قريش قال بعضهم بعضا « 3 » سخرية بينهم متجاهلين به وبأمره وقد كان النبي عليه السّلام مشهورا في قريش وأنباؤه شائعا عندهم ( هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ ) هو محمد ( يُنَبِّئُكُمْ ) أي يخبركم بأعجوبة من أعاجيب لتضحكوا بها أنكم ( إِذا مُزِّقْتُمْ ) أي تفرقت أجزاؤكم ( كُلَّ مُمَزَّقٍ ) مصدر ، أي كل تفرق وتبدد أو مكان ، لأنهم يمزقون بالموت في كل مكان في بطون الطير والسباع والجبال والبراري وقعر البحر ، ومر بهم السيل ، فذهب بهم كل مذهب وكذا الريح ، فطرحتهم كل مطرح ( إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) [ 7 ] هو جواب « إِذا » والعامل فيه مدلوله وهو تبعثون ، أي أنكم تبعثون وتنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا « 4 » ترابا . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 8 ] أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 ) ( أَفْتَرى ) بفتح الألف ، أصله أافترى بهمزة الاستفهام الداخلة على همزة الوصل للإنكار والتعجب أو أاختلق محمد ( عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) فيما ينسب إليه من ذلك ( أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ) أي جنون يلقيه على لسانه من غير قصد عنه ، فبرأه اللّه مما قالوا بالإضراب بقوله ( بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) أي بالبعث واقعون ( فِي الْعَذابِ ) فيما يؤديهم إليه ( وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ) [ 8 ] عن الهدى وهم غافلون عن ذلك ، و « الْبَعِيدِ » صفة الضال إذا بعد عن الجادة فيكون وصف الضلال بالبعد مجازا .

--> ( 1 ) « معاجزين » : قرأ المكي والبصري بحذف الألف بعد العين مع تشديد الجيم ، والباقون باثبات الألف وتخفيف الجيم . البدور الزاهرة ، 258 . ( 2 ) « أليم » : قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب برفع الميم ، والباقون بخفضها . البدور الزاهرة ، 258 . ( 3 ) بعضا ، وي : - ح . ( 4 ) تكونوا ، وي : يكونوا ، ح .